سيد قطب
2883
في ظلال القرآن
باقين فيها عهدا طويلا ، لا يعلم مداه إلا اللّه ؛ ولا نهاية له إلا في علم اللّه ، حيث يشاء اللّه . وهم مجردون من كل عون ، محرومون من كل نصير ، فلا أمل في الخلاص من هذا السعير ، بمعونة من ولي ولا نصير : « لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً » . . أما مشهدهم في هذا العذاب فهو مشهد بائس أليم : « يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ » . . والنار تغشاهم من كل جهة ، فالتعبير على هذا النحو يراد به تصوير الحركة وتجسيمها ، والحرص على أن تصل النار إلى كل صفحة من صفحات وجوههم زيادة في النكال ! « يَقُولُونَ : يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا » . . وهي أمنية ضائعة ، لا موضع لها ولا استجابة ، فقد فات الأوان . إنما هي الحسرة على ما كان ! ثم تنطلق من نفوسهم النقمة على سادتهم وكبرائهم ، الذين أضلوهم ، وبالإنابة إلى اللّه وحده ، حيث لا تنفع الإنابة : « وَقالُوا : رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً » . . هذه هي الساعة . ففيم السؤال عنها ؟ إن العمل لها هو المخلص الوحيد من هذا المصير المشئوم فيها ! ويبدو أن زواج الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - من زينب بنت جحش - رضي اللّه عنها - مخالفا في ذلك عرف الجاهلية الذي تعمد الإسلام أن يبطله بهذه السابقة العملية . يبدو أن هذا الزواج لم يمر بسهولة ويسر ؛ وأنه قد انطلقت ألسنة كثيرة من المنافقين ومرضى القلوب ، وغير المتثبتين الذين لم يتضح في نفوسهم التصور الإسلامي الناصع البسيط ، انطلقت تغمز وتلمز ، وتؤول وتعترض ، وتهمس وتوسوس . وتقول قولا عظيما ! والمنافقون والمرجفون لم يكونوا يسكتون . فقد كانوا ينتهزون كل فرصة لبث سمومهم . كالذي رأينا في غزوة الأحزاب . وفي حديث الإفك . وفي قسمة الفيء . وفي كل مناسبة تعرض لإيذاء النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بغير حق . وفي هذا الوقت - بعد إجلاء بني قريظة وسائر اليهود من قبل - لم يكن في المدينة من هو ظاهر بالكفر . فقد أصبح أهلها كلهم مسلمين ، إما صادقين في إسلامهم وإما منافقين . وكان المنافقون هم الذين يروجون الشائعات ، وينشرون الأكاذيب ، وكان بعض المؤمنين يقع في حبائلهم ، ويسايرهم في بعض ما يروجون . فجاء القرآن يحذرهم إيذاء النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - كما آذى بنو إسرائيل نبيهم موسى - عليه السّلام - ويوجههم إلى تسديد القول ، وعدم إلقائه على عواهنه ، بغير ضبط ولا دقة ؛ ويحببهم في طاعة اللّه ورسوله وما وراءها من فوز عظيم : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا . وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً » . . ولم يحدد القرآن نوع الإيذاء لموسى ؛ ولكن وردت روايات تعينه . ونحن لا نرى بنا من حاجة للخوض في هذا الذي أجمله القرآن . فإنما أراد اللّه تحذير الذين آمنوا من كل ما يؤذي النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم -